بخلاف مفاهيم الموضوعية والعلمية والاتزان , والتي لا تتعارض في رائي مع الراديكالية , بل ربما تكون من مميزاتها , فان الوسيطة تعني ازدواجية ورخاوة المواقف , والقفز فوق المبادئ واستسهال الانتقال من موقع لاخر , وعدم الانسجام بين القول والفعل , وانطلاقة من هذا الفهم البسيط للراديكالية والوسطية , نحاول ان البرهنة علي ان الوسطية هي السمة المميزة للقوي الفلسطينية علي الساحة. نلاحظ ان في الساحة الفلسطينية قوتتين اسياسيتن هما حركتي فتح وحماس وبينهما مجموعة من القوي والفصائل تتفاوت في درجة قوتتها , وانطلاقا من فهمها للصراع مع اسرائيل والمشروع الصهيوني , وموقعها من هذا الصراع , وبناء علي الاهداف الاستراتيجية التي تسعي الي تحقيقها والاساليب التي تتعبها من اجل ذلك. يصنف حماس علي انها حركة راديكالية كونها تطرح نظريا علي الاقل القضاء علي اسرائيل وتحرير كل فلسطين , متبنية المقاومة المسلحة كاسلوب اساسي من اجل تحقيق اهدافها , بينما ينظر لحركة فتح التي تخلت عن هدف تحرير كامل التراب الفلسطيني علي انها حركة معتدلة تسعي عن طريق المفاوضات الي تسوية الصراع علي اساس حل الدولتين. الا ان الواقع في رأيي فان كلتا الحركتين تنتمي الي المدرسة الوسطية في السياسية؟ فحركة حماس التي تسير بخطي واضحة في طريق الابتعاد عن برنامجها وادبياتها وثوابتها , هي ابعد ما تكون عن الراديكالية , والشواهد كثيرة , منها دخول حماس الانتخابات التشريعية تحت سقف اتفاق اوسلو الذي طالما حاربته وخونت من وقعه , وتعهدها بعد فوزها في الانتخابات باحترام الاتفاقات الموقعة مع اسرائيل , وتصريحات عدد من اهم قادتها , والتي حاولت من جلالها ان تبعث برسائل واضحة الي حلفاء اسرائيل في اوروبا وامريكيا بانها حركة براغماتية وواقعية , مستعدة لاحداث تغييرات وتحولات في مواقفها واساليب نضالها "أي تنازلات" , وقد جاءت الممارسات السياسية والافعال علي الارض لتؤكد ذلك من وثيقة احمد يوسف مستشار هينة الشهيرة , الي ايقاف المقاومة تحت شعار التهدئة او الهدنة , والموافقة علي الحدود الموقتة للدولة مع طريق يوصل الي القدس , وبالامكان العودة الي نص الوثيقة علي محركات البحث , ثم الموافقة علي وثيقة الوفاق الوطني او ما يعرف بوثيقة الاسري التي تتبني بشكل واضح خيار الدولتين , اضافة الي ما نشرته صحفية ليبراسيون الفرنسية بتاريخ 26-1-2009 عقب حرب غزة من تصريحات لرئيس المكتب السياسي لحماس خالد مشعل التي يعلن فيها استعداده للتفاوض مع اسرائيل علي حل يؤدي الي دولة فلسطينية بحدود الرابع من حزيران , ويبين فيها ان الاجدر بتفاوض مع اسرائيل والايفاء بوعوده اكثر من الرئيس عباس لانه بخلاف عباس يتمتع بالقوة والشرعية , ان هذه التصريحات التي لم تنفها حماس حتي الان والتي تتوافق من حيث جوهرها مع تصريحات سابقة , هي الدليل الاحدث والاوضح علي ما ذهبنا اليه من حماس حركة وسيطة وبامتياز. اما حركة فتح التي تخلت عن هدف تحرير كل فلسطين منذ تبنها البرنامج المرحلي عام 1974 فهي بخلاف حماس , تدعو بشكل واضح الي خيار الدولتين الذي يعتبر خيارا وسطيا لانه ينتقص من الحقوق التاريخية للشعب الفلسطيني ويقر بشرعية الدولة الصهيونية , وهنا تصنف فتح بالوسطية ليست لكونها تتبني هذا الخيار فحسب , بل لانها علي صعيد الفعلوالممارسة تخون الخيار نفسه , حيث بات من الواضح ان الصيغ التي تتعاطي بها قيادة الحركة مع موضوع حق العودة وموافقتها علي المبادرة العربية وغير ذلك من المواقف يدل علي انها مستعدة للتنازل عن هذا الحق من خلال تخريجات وحلول معينة دون الاعلان عن ذلك بشكل واضح , وبنفس العقلية الديماغوجية تتعامل مع مواضيع اخري كالقدس والسيادة والمستوطنات ..........................الخ. اما الجبهة الشعبية لتحرير فلسطيني فقد رفضت البرنامج المرحلي ثم عادت وتبنته في 1979م لتصبح حركة وسطية ويمكن اعتبارها اليوم وبالمقارنة مع القوي المتبنية لخيار الدولتين الاكثر امانة وصدقا في تمسكها بهذا الخيار , ولا يلغي ومن وسيطة الجبهة كونها منفتحة علي خيارات اخري اقرب الي الراديكالية وتتعامل معها بايجابية كخيار الدولة الديمقراطية العلمانية , بل ان ذلك يفسر بالتذبذب وعدم القدرة علي الحسم , وبالتالي يجعل من الوسطية تصنفا ينتطيق تماما علي الجبهة الشعبية , واما الجبهة الديمقراطية فهي صاحبة البرنامج المرحلي في العام 1973 ثم اصبح برنامجا لمنظمة التحرير في 1974 , فهي وسيطة رغم معارضتها لاتفاق اوسلو , المعارضة التي انتهت بدخول كوادرها وقيادتها مجال السلطة , ومصافحة نايف حواتمة الرئيس الاسرائيلي بيريس في الاردن عام 2000, ودخول بعض رموزها في فرق التفاوض فيما بعد. اما حركة الجهاد الاسلامي بالرغم من انها مترددة كثيرا في تحولاتها وكانت حتي فترة ليسا ببعيدة منسجمة مع برامجها ومقولاتها الا ان هناك بعض المؤشرات تدل علي انها تسير في طريق حماس ومن هذه المؤشرات موافقتها علي وثيقة الاسري , وعلي الهدنة , وتصريحات ابو عبدالله الحرازين عن وجود نفكير جدي في اروقة الجهاد الاسلامي لدخول الانتخابات في حال نجاح المصالحة. الاشكالية ربما تكون في جزب الشعب فهذا الحزب منذ انشائه وحتي الان تبني خيارا وسطيا هو خيار الدولتين ويعمل بالوسائل السليمة ويرفض الانخراط في العمل المسلح ولكن ما يميزه منذ تشكله وحتي اللحظة انه بقي منسجما مع نفسه ومنطلقاته وبرنامجه واساليب عمله , فهو اذن حزب وسطي من ناحية تبنيه لخيار سياسي وسطي ولكنه بعلاقته مع خياره هو راديكالي ولهذا يمكن القول قد يستغرب البعض هذا الاستنتاج ان ينوس بين الوسطية والراديكالية. اما بالنسبة لباقي القوي فهي اما تدور بفلك فتح او حماس وينطق عليها ما ينطق علي الحركتين. الخلاصة مما تقدم هي اننا لا نري في المشهد السياسي الفلسطيني اليوم أي قوة سياسية يمكن وسمها بالراديكالية , فجميع القوي علي الساحة الفلسطينيىة وسطية ويستنثي من هذا التصنيف ناشطين ومقفين غير مؤطرين ينتقدون القوي السياسية القائمة وخياراتها ويدعون الي تبني خيارات جديدة من بينها علي سبيل المثال خيار الدولة الديمقراطية العلمانية الذي يقوم علي التمسك بوحدة فلسطين التاريخية ووحدة الشعب الفلسطيني في كافة اماكن وجوده , ويرفض المساس باي حق من حقوق التاريخية للشعب الفلسطيني , واذا كان طبيعيا ان تفرض اسرائيل وحلفاءها خيار الدولة الواحدة كون تحقيقه يعني هزيمة ونهاية المشروع الصهيوني فانه من غير الطبيعي ان لا تتبني هذا الخيار القوي السياسية علي الساحة الفلسطينية. عزيز المصري 19-2-2012م"